أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

485

العمدة في صناعة الشعر ونقده

- ومثله قول أبى تمام « 1 » : [ الكامل ] ومسافة كمسافة الهجر ارتقى * في صدر باقي الحبّ والبرحاء - وأنشد « 2 » الرّمّانى لذي الرّمّة « 3 » : [ البسيط ] كأنّه كوكب في إثر عفرية * مسوّم في سواد الليل منقضب « 4 » ثم قال : قد اجتمع الثور والكوكب في السرعة ، إلا أن انقضاض الكوكب أسرع ، واستدل بهذا على جودة التشبيه . - وأنا أرى أن فيه دركا « 5 » على الشاعر ، وإغفالا من الشيخ المفسّر ، وذلك أن الثور مطلوب ، والكوكب طالب ، فشبّهه به في السرعة والبياض ، ولو شبّهه بالعفرية « 6 » ، وشبه الكلب وراءه بالكوكب لكان أحسن وأوضح ، لكنه لم يتمكن له المعنى الذي أراده من فوت الثور الذي شبّه به راحلته . وأماما أغفله الشيخ فإن الشاعر إنما رغب في تشبيه الثور بالكوكب ، واحتمل عكس التشبيه بأن جعل المطلوب طالبا لبياضه ، فإن الثور لهق « 7 » لا محالة ، وأما السرعة التي زعم فإن العفرية « 6 » لو وصفه به ، وشبهه بسرعته لما كان مقصّرا ، ولا متوسّطا ، بل فوق ذلك . - ومن التشبيهات « 8 » عقم ، لم يسبق أصحابها إليها ، ولا تعدّى أحد

--> - الأغانى 23 / 181 ، وطبقات ابن المعتز 382 ، ومعجم الشعراء 387 ، وتاريخ بغداد 3 / 169 ، وفوات الوفيات 4 / 32 ، الوافي بالوفيات 4 / 346 ( 1 ) ديوان أبى تمام 1 / 33 ( 2 ) هذا الإنشاد غير موجود في النكت في إعجاز القرآن . ( 3 ) ديوان ذي الرمة 1 / 111 وانظر ما قيل عنه في الكامل 2 / 107 ، وانظر تفسير عفرية فيه وفي غريب الحديث للخطابي 1 / 249 ( 4 ) في ف والمطبوعتين فقط : « . . . في إثر عفريت » . والعفرية : الشيطان المريد . والمسوّم : المعلّم . ومنقضب : منقضّ . ( 5 ) الدّرك : - بالتسكين والتحريك - : التّبعة . ( 6 ) في ف والمطبوعتين فقط : « بالعفريت » . ( 7 ) اللهق - بفتح الهاء وكسرها - : الأبيض ، أو الشديد البياض . ( 8 ) انظر هذا في البيان والتبيين 3 / 326 ، والحيوان 3 / 127 و 312 ، والشعر والشعراء 1 / 253 ، وعيون الأخبار 2 / 186 ، والصناعتين 223 ، وديوان المعاني 2 / 148 ، وعيار الشعر 29 ، وزهر الآداب 2 / 739 و 740 ، وحلية المحاضرة 1 / 176 ، ودلائل الإعجاز 603 ، وسر الفصاحة 240 ، وتحرير التحبير 471 ، وكفاية الطالب 194